السيد الطباطبائي

6

تفسير الميزان

لم يبطل حجة العقل في كتابه ، وكيف يعقل ذلك وحجيته انما تثبت به ! ولم يجعل حجية في أقوال الصحابة والتابعين وانظارهم على اختلافها الفاحش ، ولم يدع إلى السفسطة بتسليم المتناقضات والمتنافيات من الأقوال ، ولم يندب الا إلى التدبر في آياته ، فرفع به أي اختلاف يترائى منها ، وجعله هدى ونورا وتبيانا لكل شئ ، فما بال النور يستنير بنور غيره ! وما شأن الهدى يهتدى بهداية سواه ! وكيف يتبين ما هو تبيان كل شئ بشئ دون نفسه ! . واما المتكلمون فقد دعاهم الأقوال المذهبية على اختلافها أن يسيروا في التفسير على ما يوافق مذاهبهم بأخذ ما وافق وتأويل ما خالف ، على حسب ما يجوزه قول المذهب . واختيار المذاهب الخاصة واتخاذ المسالك والآراء المخصوصة وان كان معلولا لاختلاف الانظار العلمية أو لشئ آخر كالتقاليد والعصبيات القومية ، وليس هيهنا محل الاشتغال بذلك ، الا ان هذا الطريق من البحث أحرى به أن يسمى تطبيقا لا تفسيرا ففرق بين ان يقول الباحث عن معنى آية من الآيات : ما ذا يقول القرآن ؟ أو يقول : ما ذا يجب ان نحمل عليه الآية ؟ فان القول الأول يوجب ان ينسى كل أمر نظري عند البحث ، وان يتكى على ما ليس بنظري ، والثاني يوجب وضع النظريات في المسألة وتسليمها وبناء البحث عليها ، ومن المعلوم ان هذا النحو من البحث في الكلام ليس بحثا عن معناه في نفسه . وأما الفلاسفة ، فقد عرض لهم ما عرض للمتكلمين من المفسرين من الوقوع في ورطة التطبيق وتأويل الآيات المخالفة بظاهرها للمسلمات في فنون الفلسفة بالمعنى الأعم أعني : الرياضيات والطبيعيات والإلهيات والحكمة العملية ، وخاصة المشائين ، وقد تأولوا الآيات الواردة في حقائق ما وراء الطبيعة وآيات الخلقة وحدوث السماوات والأرض وآيات البرزخ وآيات المعاد ، حتى أنهم ارتكبوا التأويل في الآيات التي لا تلائم الفرضيات والأصول الموضوعة التي نجدها في العلم الطبيعي : من نظام الأفلاك الكلية والجزئية وترتيب العناصر والاحكام الفلكية والعنصرية إلى غير ذلك ، مع أنهم نصوا